انت هنا : الرئيسية » بقلمي
بقلمي
» الكبرياء المحنطة

الكبرياء المحنطة

الكبرياء المحنطة

عبد المجيد محمد الغيلي

17/5/2010م

ما الذي نصنعه؟!

نلجأ إلى الكلمات لنطارد بها الكلمات، فلا نظفر بعد مطاردة مجهدة إلا بغبارها، ثم نتسلى بذلك الغبار وندعي أننا امتلكناها، وندعي وراء ذلك أننا امتلكنا الحقيقة التي نتحدث عنها بهذا الغبار… فيا للسخرية حين نعجز عن مطاردة الكلمات ونتوهم أننا أمسكنا بتلابيب الحقيقة!!! وما ثم إلا غبار الكلمات وسراب الحقيقة…

ما الذي نصنعه؟!

أجيال إثر أجيال تمر خاشعة أمام كهوف من الأوهام نحتتها كلماتنا في جبال كبريائنا، لتخدعنا بأننا نقيم في قصور تلك الكبرياء، ولم نسكن إلا توابيت الكبرياء المحنطة!!!

نوهم أنفسنا بأننا محترفون في الحديث عن كبرياءنا التي واراها التاريخ بين ضلوعه،  واستقرت في أودية الكلمات، فنفزع إلى أشباحها التي تسكن في عقولنا، وتترعرع في أفئدتنا، وتتبختر على ألسنتنا، وتتغذى منها أقلامنا، وما هي إلا أشباح تتقافز داخلنا فتضللنا عن أرواحها الحقيقية، عقابا لنا لما اقترفناه في حقها.

الكبرياء المحنطة

ولو أننا بدلا من الحديث عنها ركبنا خيول الإثارة لمطاردة الحقيقة والبحث عن الكبرياء،،،

ولو أننا بعثنا فيها الحياة من جديد بدلا من حملها على رؤوسنا، ومضغ بقاياها في أفواهنا، حتى تعفنت فيها، ولكننا لم نرحم ذلك القوت الذي زرعنا فيه بكتريا العفن،،،

ولو أننا أكرمنا ذلك الشيء، بأن نعيشه مرة أخرى، لا أن نعيش عليه، بأن نحييه لا أن نحيا عليه، بأن يسكن في حوانيتنا لا أن نسكن في توابيته،،،

لو كان ذلك لما وجدنا من يتكلم عن كبرياء أصبحت في ذمة التاريخ!!!

سادتي أتوسل إليكم،،، أزيحوا عن كواهلنا بعض الحديث الذي مجته أسماعنا، وبعض الكتابات التي نفرت منها أعيننا،،، أريحوا أقلامكم وألسنتكم،،، أغمدوا تلك السيوف التي تحاربون بها أعداء يحاربونكم بصواريخ الفكر، وقاذفات المعرفة…

لقد قتلتم كبرياءنا الحقيقية بحديثكم وفعالكم، وزرعتم بدلا منها أشباح كبرياء تظل تخفض رؤوسنا كلما حاولت أن ترتفع في زمن لا يحترم الرؤوس المنحنية، ولا يقدس النفوس المنهزمة…

سئمنا الحديث الذي يسرق منا كبرياءنا الحقيقية القادرة على أن تبعث فينا من جديد المستقبل الجميل، والغد المشرق،،، يسرق منا تلك الكبرياء خلسة ثم يضع بدلا منها في أيدينا حقيبة مفخخة باليأس، لا تلبث أن تنفجر في كياننا لتحيلنا إلى أشلاء تقتات عليها وحوش مرعبة لها أسماء نعرفها جيدا: الذل، الهزيمة، النكسة، التخلف، إلى آخر تلك الأسماء التي لم أعد أميز بينها إلا أنها أسماء غير عربية، استعيرت لها ثياب عربية…

سادتي، أتوسل إليكم أن ترحموا بقايانا، فشعوبنا بدأت تلملم أشلاءها، وتجمع أشتاتها، وتسترد ما نهبتموه منها عبر ثلاثة قرون من السرقة المحترفة لكرامتها ولمستقبلها، نمارسها نحن بألسنتنا قبل أن يمارسها الأعداء بأسلحتهم، لجهل منا أو تجاهل أو رغبة في الإجهاز على الضحية، ولهم فيها مآرب أالكبرياء المحنطةخرى…

أتوسل إليكم فأمامنا غد مشرق، ومستقبل واعد،،، وعهد جديد…

حَنَّطوا كبرياءَنا ورَمَوها
فتراها مع الشروق احتفالاً
وأحاديثَ في المحافل شاخت

في توابيتَ ذكرياتٍ قديمةْ
وتراها مع الغروب وليمةْ
كعجوزٍ تميسُ وهْيَ دميمةْ

**

منشور في موقع الإسلام اليوم:

http://islamtoday.net/bohooth/artshow-34-132985.htm


التعليقات

تعليق

عن الكاتب

عدد المقالات : 168

اكتب تعليق

جميع الحقوق محفوظة  لموقع  رحى الحرف  - تصميم : الطبقات الصلبة التقنية

الصعود لأعلى