انت هنا : الرئيسية » بقلمي » خذ العلم من (متعلم) لا من (معلم)!

خذ العلم من (متعلم) لا من (معلم)!

خذ العلم من (متعلم) لا من (معلم)!

المتعلم، يظل طوال حياته متعلما، فيبحث، ويظل يبحث عن الصواب… وهو أثناء بحثه يعرض علينا تجربته في البحث العلمي، يعرض علينا ما توصل إليه من معارف وعلوم… ويخبرنا أنه مستمر في مرحلة التعلم، وأن تعلمه لا ينقطع.
أما المعلم، فهو الذي وصل إلى منزلة يعتقد فيها أنه لم يعد محتاجا إلى التعلم، وأنه أصبح معلما لغيره، فقد تشبع بالعلم، ومن ثم فدوره الآن أن يعلم، أن يلقن غيره دروسا… ببساطة لم يعد لديه شيء يتعلمه… إذن في الحقيقة هو “ميت علميا”.
الذي يحدثك عن “مسلمات” علمية، و”حقائق” علمية، هو “معلم” يزعم أنه أحاط علما بما يمكن أن يندرج تحت الظاهرة وما لا يندرج فيها، وأحاط بمتغيراتها العلمية… ومن ثم ليس في الإمكان أن يقول البشر شيئا!!
الذي يقول: (قال العلم كلمته)، هو (معلم) يدعي أنه لم يعد بإمكان الناس أن يتعلموا شيئا جديدا، بل يتعرفوا على ما وصل إليه السابقون!!
**
ليس في البشر إلا معلم واحد، وهم الأنبياء.
لماذا؟
لأنهم يتلقون علمهم من الله سبحانه وتعالى، وهو علم غير قائم على البحث والنظر، بل علم من الخالق العليم. فالنبي هو المعلم، ولذلك جعل الله من مهام النبي التعليم: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة…}، فالنبي (فيما ينقل عن ربه) معلم نهائي، لا معقب لما يعلمنا إياه.
أما البشر جميعا فهم متعلمون، وحتى الذين يفسرون القرآن الكريم، أو يتفقهون في الشريعة، من علمائنا الأفاضل، فإنما يقدمون للناس ما فهموه من هذا العلم، وما تعلموه، ولذلك تختلف الأفهام، وتتعدد الأوجه…
وطالما كان العالم معتقدا أنه متعلم، فإنه يبين للناس أن ما وصل إليه هو رأيه الذي أفاده بالبحث والنظر – حتى الآن، وقد يصل غدا إلى نظرات علمية أخرى، بل ومختلفة عما وصل إليه اليوم….
ولكن حين ينزل فهمه على أنه علم الله، وأن من خالف فهمه فهو منبوذ، فإنه يتقمص ثوب النبي (المعلم)…
**
العلماء في مختلف العلوم الطبيعية (والإنسانية والشرعية)، هم باحثون متعلمون، وطالما ظلوا كذلك، فإن الناس يبادرون إلى الأخذ عنهم، والإفادة منهم. ولذلك تجد العالم يتعلم من غيره، ولا يستنكف أن يأخذ من أي إنسان.
ولكن حين ينزل عالم الطبيعة فهمه على أنه العلم النهائي، ومن ثم يرفض ما يقوله غيره؛ لأن عقله لا يستوعب هذا الكلام، هو (معلم متبجح)؛ يعتقد أنه إله صغير يعلم كل شيء، وأن العلم لا يخرج من شرنقته.
**
“العالم” الذي يغضب حين ينتقده الناس، إنما فعل ذلك لأنه اعتقد أنه “معلم”، وليس من حق الناس إلا أن يتلقوا منه، لا أن يساءلوه…
**
وكما تنطبق هذه القاعدة على أولي العلم، تنطبق على السياسيين وغيرهم من الرجال الذين ينتصبون في حياة الناس…
المتعلم يقبل المساءلة في مجاله، ولا يغضب منها، ولا يتعالى عليها.
**
ليس علينا أن نصل إلى الحقيقة، بل علينا أن نبحث عنها… وحين نبحث عنها فسنظل طوال حياتنا كذلك، وإذا أخبرك أحد أنه وصل إلى “الحقيقة”، فقد صار معلما، فإياك وإياه!!
المتعلم يظل يبحث، ويسأل، وينتج أسئلة مستمرة، ويبحث عن إجابات… أما “المعلم” فهو يقدم إجابات جاهزة، ويعتقد أن كل الأسئلة قد فرغ من إجاباتها!!
المعلم يغلق الأبواب المفتوحة، والمتعلم يفتحها.


د. عبد المجيد محمد الغيلي


التعليقات

تعليق

عن الكاتب

عدد المقالات : 168

اكتب تعليق

جميع الحقوق محفوظة  لموقع  رحى الحرف  - تصميم : الطبقات الصلبة التقنية

الصعود لأعلى