انت هنا : الرئيسية » الإنتاج العلمي » الأبحاث » بحث مختصر في تحرير دلالة لفظ “الناس” في القرآن الكريم

بحث مختصر في تحرير دلالة لفظ “الناس” في القرآن الكريم

تحرير دلالة لفظ “الناس” في القرآن الكريم

د. عبد المجيد محمد الغيلي

هذا بحث مختصر في تحرير دلالة لفظ “الناس” في القرآن الكريم.

ورد لفظ الناس في القرآن الكريم (235 مرة)، منها نحو (21 مرة) جاء اللفظ منادى (يا أيها الناس). وهذا بحث مختصر في تحرير دلالة اللفظ، وقبل ذلك أحرر تصنيف المنادى في القرآن الكريم، ثم أعود إلى الحديث عن لفظ “الناس”.

المبحث الأول: تصنيف المنادى في القرآن الكريم

هناك تصنيفات سابقة لأوجه الخطاب في القرآن الكريم، يمكن الرجوع إليها في كتب علوم القرآن الكريم.

وهذا البحث يختص بالنظر في الألفاظ التي نوديت في القرآن الكريم، وتصنيفها دلاليا، مع مراعاة أن أوجه الخطاب أشمل وأعم من النداء، فالخطاب في القرآن الكريم يكون بالنداء وبغيره من أساليب الخطاب. ونتائج هذا البحث مقتصرة على النداء فقط، وهي نتائج قائمة على إحصاء كل من نودي في القرآن الكريم. 

الذين نودوا في القرآن الكريم على ضربين: المعين، وغير المعين.

(1) نداء المعين:

فالمعين، إما بذاته، وإما بصفته.

فلامنادى المعين بذاته في القرآن الكريم: الله (اللهم، رب)، ونداء الأنبياء: آدم، ونوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ويوسف،وشعيب، ولوط، وموسى، وهارون، وزكريا، ويحيى، وعيسى عليهم السلام. ومن غير الأنبياء: مريم، وذو القرنين، وفرعون، وسامري، وأخت هارون. ومن غير البشر: مالك، وإبليس. ومن المعين ذاتا: الأب، والابن (يا أبتى، يا أبانا، يا بني، يا ابن أمَّ).

وأما المعين وصفا، فقد نودي به الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم ينادَ باسمه بل بوصفه، وجاء من ذلك: (الرسول، النبي، الذي نزل عليه الذكر، المزمل، المدثر). ومن المعين وصفا جاء النداء بـ: العزيز، والصديق (عزيز مصر، وهو يوسف الصديق)، والساحر (وقصد به قوم فرعون: موسى عليه السلام).

ومن المعين وصفا (أكثر من مفرد): نداء يوسف: (يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ)، وأصحاب العير (ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ)، والملائكة الذين أرسلوا إلى قوم لوط (قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ)، ونساء النبي (يَانِسَاءَ النَّبِيِّ)، ونداء الرسل (يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ)، فالرسل وإن كان لفظا عاما إلا أنه يصدق على أفراد معينين معدودين، لا يدخل فيه سواهم.

**

(2) نداء غير المعين:

القسم الآخر هو غير المعين، بل يدل على عموم ما. وهذا القسم في القرآن على ثلاثة أضرب:

الأول: محدد الدلالة. والثاني: مستغرق الدلالة، والثالث: شائع الدلالة.

(2: 1) محدد الدلالة:

فالضرب الأول: محدد الدلالة، وهو اللفظ الذي وضع من أصله محدودا للدلالة على أفراد يربطهم رابطٌ ما. وذلك كما يلي:

أ/ عموم محدود  برابط عرقي أو جغرافي، وجاء منه: يا أهل يثرب، يا بني إسرائيل، يا قوم.

(“قوم” في القرآن الكريم تستخدم في النداء – عادة للدلالة على نداء قوم الشخص، وهم القوم الذين ينتسب إليهم ويعاصرهم، كقوله: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ}، وقوله {قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ}، القوم المقصود بهم: كفار قريش. وقد ورد نداء “قوم” في القرآن الكريم نحو خمسين مرة، على لسان النبيين يخاطبون أقوامهم الذين أرسلوا إليهم).

ب/ وعموم محدود برابط الدين، وجاء منه: (المؤمنون، الذين آمنوا، الذين كفروا، الكافرون، الذين هادوا، المجرمون، الضالون). ومنه أيضا: (الذين أوتو الكتاب، أهل الكتاب).

ومنه أيضا (عبادي)، كقوله: { يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا}، وقوله: { يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ }، فاستخدم في نداء المؤمنين فقط.

ومنه أيضا نداء (أولي الألباب، أولي الأبصار)، وكافة المواطن التي استخدم فيها جاء للدلالة على أن المخاطب إنما هم المؤمنون. كقوله: { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }، فهو يخاطب قوما مؤمنين بالقصاص، والسياق يبين مجموعة من الأحكام الشرعية للمؤمنين.

ومنه أيضا: (الجاهلون) في قوله: { قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ }، فالجاهلون هنا هم من يأمر بعبادة غير الله.

ج/ وعموم محدود برابط فئوي، وجاء منه في القرآن الكريم (الملأ)، فالملأ هم “النخبة” الذين يرجع إليهم أمر الناس، ويرجع إليهم الحاكم. فهو لفظ “سياسي” يصدق على مجموعة من الأفراد المنتمين إلى الملأ.

**

(2: 2) مستغرق الدلالة:

والضرب الثاني: مستغرق الدلالة (أي: يستغرق أفراد ما عمم له)، وجاء منه نداء: بني آدم، الإنسان، النفس، معشر الجن والإنس، معشر الجن، الثقلان. فهذه النداءات تستغرق أفراد الجنس كله.

وبنو آدم جاء النداء لهم في الأعراف وفي يس، وفي كليهما كان الخطاب تحذيرا لهم من فتنة الشيطان لهم في دينهم أو في سلوكهم أو في لباسهم وزينتهم، فالشيطان متربص بهم لفتنتهم، وبين الله لهم أنه سيرسل لهم الرسل وعليهم الاستجابة لهم، فهذا عهد الله إليهم.

وأما “الإنسان” فنودي في موضعين: الانفطار والانشقاق، وكلاهما: يدعوه فيه إلى عدم الاغترار بربه في الحياة الدنيا، فهو راجع إليه، وهو كما خلقه سيعيده إليه فيحاسبه.

**

(2: 3) شائع الدلالة:

والضرب الثالث: شائع الدلالة. وجاء منه نداء: “الناس”. وسأبينه لاحقا.

**

(2: 4) نداء ما ليس بشرا ولا جنا ولا ملائكة:

وأما نداء ما ليس من البشر أو الجن أو الملائكة، فقد جاء من ذلك: أرض، سماء، جبال، الطير، نار، النمل.

ودخلت (يا) النداء على ألفاظ للدلالة على التعبير الوجداني من فرح أو حزن أو أسف أو ندم، كقوله: {وَقَالَ يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ}، و{قَالَتْ يَاوَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ}…إلخ، والألفاظ الوجدانية التي دخلت عليها ياء النداء هي: أسف، بشرى، حسرة، ليت، ويل.

**

(3) نداء (الذين آمنوا):

المقصود بالنداء في قوله (يا أيها الذين آمنوا).

ورد لفظ (الذين آمنوا) في القرآن الكريم: (237 مرة)، منها (89 مرة) في النداء (يا أيها الذين آمنوا). وأغلب المواطن الـ(237) في سور مدنية.

ومقتضى لفظ (الذين آمنوا)، أنه يشمل عامة المؤمنين من الناس، من لدن آدم عليه السلام. إلا أنه بالنظر في مواضع استخدام (الذين آمنوا) يتبين أن المراد بـ(الذين آمنوا)   في استخدامات النداء – في القرآن الكريم هم أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، فهو خطاب وإن كان عاما إلا أنه مخصوص استخداما لمن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم. وأما في غير النداء فالغالب يراد به أتباع محمد صلى الله عليه وسلم.

والنداء به يأتي في السياقات التالية: مواضع التشريع، أو التزكية والتربية والوعظ، أو التوجيه في مسائل تتعلق بالتعامل في مواقف مختلفة، أو التعامل مع المخالفين، أو توجيهات في إدارة شؤون الحياة، أو تذكير لهم بالنعم، أو توجيههم بألا يكونوا كأهل الكتاب.

- التشريع، مثلا: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً }، أو التزكية والتربية والوعظ: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ }. وتأمل الأمر بالصيام فخاطبهم: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ }، فالخطاب موجه لأتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وأمروا بالصيام كما أمر به من قبلهم.

- أو مواضع التوجيه في التعامل مع المخالفين لهم، كاليهود والمشركين والنصارى، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرين}، { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا}.

- أو التوجيه بالتعامل في مواقف عرضت لهم في حياة النبي، كقوله: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.

- أو توجيهات في إدارة شؤون الحياة: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا }، { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ }، { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ }.

- أو تذكير لهم بالنعم: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ }.

- أو توجيههم بألا يكونوا كأهل الكتاب الذين آمنوا ببعض وكفروا ببعض، وذلك قوله: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ } فهو يقول لهم: عليكم يا أتباع محمد أن تحققوا الإيمان كاملا، وألا تكونوا كمن سبقكم.

فالخلاصة أنه خطاب خاص بأتباع محمد صلى الله عليه وسلم.

**

**

**

المبحث الثاني: دلالة لفظ “الناس” في القرآن الكريم

شاع القول إن لفظ “الناس” موضوع للعموم، غير أن هذا ليس على إطلاقه، وهو قول يحتاج إلى تحرير.

ومن خلال تتبعي لمواطن استخدام لفظ “الناس” في القرآن الكريم، يتبين أن اللفظ “شائع الدلالة” [لا يدل على الاستغراق (كبني آدم)، ولا على العموم المحدد (كالذين آمنوا)، ولا على التعيين].

وفي استخدام القرآن الكريم جاء لفظ “الناس” ليفيد دلالة الشيوع (وضعا)، ويفيد ثلاث دلالات (استخداما لا وضعا):

الدلالة الأولى: الشيوع، وهو الأغلب، (90 مرة).

الدلالة الثانية: الاستغراق (الناس جميعا)، وقد ذكر (78 مرة)، [منها: 27 مرة للاستغراق الحقيقي، و51 للاستغراق الشرعي].

الدلالة الثالثة: البعضية (فريق من الناس)، وقد ذكر (62 مرة).

الدلالة الرابعة: التعيين، وقد جاء في خمسة مواضع، وهناك مواضع أخرى مختلف فيها.

ودلالة لفظ “الناس” على الشيوع هو الأصل وضعا، أما دلالته على الاستغراق والبعضية والتعيين، فلم يأت من أصل وضع اللفظ، وإنما استفيد من قرائن أخرى.

وثمة ثلاثة أسئلة هنا:

الأول: ما المقصود بشيوع الدلالة؟

والثاني: وما الدلالات التي يأتي بها لفظ الناس؟

والثالث: ما دلالة استخدام لفظ “الناس” في سياق الحج؟ [مثال تطبيقي]

**

(1) المقصود بشيوع الدلالة:

شيوع الدلالة، أي: قابلية إطلاق الاسم على أي مسمى من أفراده، دون قصد التعيين أو الاستغراق أو التبعيض.

وشيوع الدلالة غالبا ما يكون في الألفاظ النكرة. فاللفظ النكرة لفظ يدل على الشيوع في أفراد جنسه، و(ال) الداخلة على النكرة لها ثلاث دلالات، الأولى: التعريف الفردي، والثانية: التبيين الجنسي، والثالثة: الاستغراق.

التعريف الفردي: إكساب اللفظ النكرة دلالة معينة، دون أن يظل على شيوعه، سواء بالعهد الذكري (نحو: زارني رجل فأكرمت الرجل)، أو العهد الذهني (كأن يقول رجل لأخيه: ما أخبار الأولاد؟ فهو يسأله عن أولاده. ومنه قوله تعالى: {إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ}، فالغار معين معهود في الذهن)، أو العهد الحضوري (كأن يدخل رجل بيت صديقه، فيقول له: البيت رائع).

والتبيين الجنسي: إكساب اللفظ تبيينا في المعنى، وتعريفا في اللفظ، مع بقاء دلالته على جنسه شائعة، دون تعيين ودون قصد التعميم، فهي بمقام النكرة معنى والمعرفة لفظا. نحو: الحديد أصلب من الذهب، ونحو: أكرِمِ الناسَ.

والاستغراق: أن تكون (ال) نائبة مناب (كل)، فتشمل جميع أفراد الجنس. نحو (النبات حي)، [أي: كل نبات حي].

**

وعودة إلى لفظ (الناس)، فـ (ناس) لفظ نكرة يفيد الشيوع المطلق، ولكنه لفظ غير مستخدم في القرآن الكريم، بل المستخدم منه بدون (ال) لفظ (أناس).

ولفظ (الناس) كما بينت شائع الدلالة في أفراد جنسه، فالأصل فيه ألا يدل على “التعيين” ولا على “العموم” ولا على “التبعيض”، فـ(ال) الداخلة عليه لـ(التبيين الجنسي)، فتصدق على قليل كما تصدق على كثير، والغرض منها بيان أنها تطلق على من يصدق عليه وصف الناس، لا استغراقها للأفراد، كقوله: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس}، فلفظ (الناس) ههنا معرفة لفظا، ولكنه نكرة معنى، وكقوله {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله}.

ومن ثم فإذا كان لفظ (الناس) شائع الدلالة فإنه مستخدم على وضعه، وهو الأصل فيه. أما إذا استخدم “للاستغراق” أو “للتبعيض” فإننا نسأل عن القرينة التي جعلته دالا على الاستغراق أو التبعيض. وإذا استخدم “للتعيين” فإننا نسأل عن حكمة استخدامه للتعيين.

**

 وما الفرق بين العموم والشيوع؟

العموم يقتضي استغراق اللفظ لأفراده، أما الشيوع فلا يقتضي الاستغراق، بل يصدق على بعض أفراده كما يصدق على كلهم. فمثلا (بنو آدم) لفظ عام يقتضي الاستغراق، ولفظ (الإنسان) عام أيضا يقتضي الاستغراق. أما لفظ (الناس) فليس عاما، بل شائع الدلالة يمكن أن يصدق على كل أفراده، كما يصدق على واحد منهم.

فنداء (بني آدم) يفيد العموم الذي يستغرق كل الأفراد، فلو أنه استخدم في مقام ما وقصد به البعض لكان خاصا، وبحثنا عن سبب التخصيص وقرينته؛ لأن الأصل فيه العموم الذي يقتضي الاستغراق، ولا يصرفه عن العموم إلا سبب.

أما نداء (الناس)، فإنه لا يقتضي العموم، بل هو للشيوع، فلو استخدم للدلالة على قليل لكان ذلك موافقا لأصل وضع اللفظ، كما لو استخدم للدلالة على مجموعة من الأفراد. فهو لفظ وضع أصلا للدلالة الشائعة. ومن ثم فإننا لا نقول إن لفظ “الناس” عام وقد خصص هنا أو هناك. بل نقول: لفظ “الناس” شائع الدلالة، وقد وضع أصلا للشيوع دون اقتضاء العموم.

إذن فمجيء لفظ “الناس” في سياق دون آخر، لا يقتضي أنه كان عاما ثم خصص، بل هو موضوع أصلا للدلالة الشائعة التي تصدق على ما يطلق عليه لأول مرة، فهو لفظ لم يوضع للعموم، حتى نبحث له عن مخصص.

ولفظ (الذين آمنوا، الذين كفروا… إلخ)، مما ذكرت أنه محدد الدلالة، فهو لفظ وضع أصلا ليدل على محدودية في الأفراد الذين يصدق عليهم الوصف. فهو ليس كلفظ (الإنسان) الذي يستغرق كل الأفراد، وليس كلفظ “الناس” الذي يصدق على الواحد كما يصدق على الجميع. بل هو لفظ وضع لمجموعة أفراد يربطهم رابط ما (رابط عرقي، أو جغرافي، أو فئوي، أو ديني… إلخ).

**

(2) شيوع دلالة لفظ “الناس” في القرآن الكريم

ذكرت أن لفظ “الناس” في القرآن الكريم يأتي للدلالة الشائعة فيصدق على قليل أو كثير من أفراد الجنس، دون “تعميم” أو “تبعيض” أو تعيين”. فإذا أتى للتعميم أو التبعيض بحثنا عن القرينة لا الحكمة، وإذا أتى للتعيين بحثنا عن الحكمة والقرينة معا.

وقد جاء اللفظ شائع الدلالة في بعض النداءات (يا أيها الناس)، كقوله: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ}، فالناس هم الذين يصدق عليهم الوصف ممن خاطبهم سليمان آنئذ. ومن هذا الباب النداءات الواردة في السنة النبوية، كقوله: (يا أيها الناس، إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله).

ومن غير النداءات، قوله تعالى: {أتأمرون الناس بالبر }، وقوله: {يعلمون الناس السحر}، وقوله: {وتصلحوا بين الناس}، وقوله: {لا يسألون الناس إلحافا}، وقوله: {قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام}، وقوله: {ويكلم الناس في المهد وكهلا}، وقوله: {وقيل للناس هل أنتم مجتمعون} …إلخ.

فـ”الناس” في كل هذه الآي “شائع الدلالة” يصدق على سائر من يندرج تحته، دون نظر إلى تخصيصه وتعيينه بأفراد معينين، ودون نظر إلى استغراقه أو عدم استغراقه. فهو في مقام النكرة معنى، المعرفة لفظا.

**

ومن ورود “الناس” شائع الدلالة عامة ما جاء في الخطاب النبوي، فهو يستخدم مناداة الناس كثيرا، ومن ذلك قوله: (يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا)، وقوله: (اشربوا أيها الناس إنكم مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا)، وقوله: (يا أيها الناس أتموا الركوع والسجود)، وقوله: (يا أيها الناس اذكروا الله)… وهناك مئات الأحاديث يتجه الخطاب فيها إلى الناس. بل هو الشائع، ويقل توجيه الخطاب للمؤمنين (يا أيها المؤمنون، أو: يا أيها الذين آمنوا).

**

(3) استخدام لفظ “الناس” للاستغراق

 دلالة الاستغراق (كل الناس)، وهو من حيث دلالته –  نوعان:

النوع الأول: الاستغراق الحقيقي: ويشمل كل من يصدق عليه وصف الناس بلا استثناء، من لدن آدم عليه السلام حتى قيام الساعة. والاستغراق كما قلت يستفاد من قرائن، ومن تلكم القرائن:

- ما قرره القرآن الكريم من حقائق، كقوله {رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ}، فهو يفيد الاستغراق لما تقرر أن الله سيجمع الناس جميعا، وأنه سيبعث كل نفس.

- ومنها: إسناد الفعل إلى الله، كقوله: {إن الله لذو فضل على الناس}، فالله ذو فضل على الناس جميعا بلا استثناء. وقوله: {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس}. أو إضافة “الله” إلى الناس، كقوله: {قل أعوذ برب الناس. ملك الناس. إله الناس}.

- وقد يستفاد الاستغراق من اللفظ، كقوله: {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا}، فلفظ (جميعا) أفاد الاستغراق، فمن قتل نفسا واحدة فكأنما قتل الناس كلهم منذ أن خلق آدم حتى قيام الساعة، وفي هذا تهديد لمن يقدم على هذا الفعل، وتحذير له من خطورة عمله، ووعيد شديد.

وكقوله: {إن الله لا يظلم الناس شيئا}، أي: لا يظلم أحدا من الناس، فالاستغراق مستفاد من ناحيتين: اللفظ (المجيء في سياق النفي)، ومن ناحية الإسناد إلى الله، فالله لا يظلم أحدا من خلقه، كما هو مقتضى عدله.

**

والنوع الثاني: الاستغراق الشرعي: ويشمل كل من يصدق عليه وصف الناس من منظور شرعي، فهو خطاب للمكلفين الذين يبلغهم التوجيه.

ومن هذا بعض النداءات في القرآن الكريم الموجهة لعامة المكلفين، كقوله: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا}، فالناس في الآية يراد بهم: كل المكلفين من البشر ممن كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أو بعد وفاته إلى قيام الساعة، ولا يشمل من كان قبله، فيشمل الناس هنا: المؤمنين وغيرهم (أمة الدعوة وأمة الاستجابة).

ومنه قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}، أي: على جميع المكلفين من الناس أن يحجوا البيت، ولا يعذر إلا من لم يستطع، أما من كفر من الناس فإن الله غني عنه وسيحاسبه.

ومنه قوله تعالى: {هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون}، فالقرآن الكريم جاء بصائر لعامة الناس (مؤمنهم وكافرهم) [ممن بلغهم من المكلفين]، كما قال تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا}، وقال: {هـذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين}. ولكن إنما يهتدي به وينال رحمته من آمن وأيقن، كما قال: {وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ}. فالمعنى: القرآن الكريم بصائر للناس عامة، وهو هدى ورحمة للموقنين منهم.

فقوله (بصائر) مبتدأ، وخبرها: (للناس)، وقوله (وهدى): الواو ابتدائية وليست عاطفة، هدى: مبتدأ، وخبرها (لقوم يوقنون).

إلى غير ذلك من الآيات، وقد أحصيت الآيات الدالة على الاستغراق التكليفي فبلغت (51 مرة)، كقوله: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم}، وقوله: {وأرسلناك للناس رسولا}، وقوله: {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل}، وقوله: { إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق}…

فالقرينة في الاستغراق الشرعي، أن القرآن الكريم نزل للناس جميعا، والرسالة المحمدية جاءت خاتمة الرسالات إلى البشرية كلها، فلا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: {وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ}، ومن ثم فالله أرسله رحمة للجيل الأخير من البشرية، وهاديا ونذيرا لهم، وكلهم أمته التي أتى لدعوتها. فمن استجاب فلنفسه، ومن كفر فعلى نفسه كفره. قال تعالى: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا}، وقال: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}، وقال: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ}.

**

هذا والاستغراق من حيث اللفظ نوعان: استغراق إثبات (بدل: “كل”)، واستغراق نفي (بدل: أي أحد”). فاستغراق الإثبات كقوله: {ذلك يوم مجموع له الناس} أي: كل الناس، واستغراق النفي كقوله: {إن الله لا يظلم الناس شيئا}، أي: لا يظلم أي أحد من الناس.

**

(4) استخدام لفظ “الناس” للتبعيض

دلالة البعضية (فريق من الناس)، فاعتبار (البعضية) مقصود في هذه الدلالة، والشيوع غير مقصود، بمعنى أن دلالة البعضية هي: (بعض دون بعض).

ويستفاد من طريقين:

الأول: الطريق اللفظي، وهو التصريح بلفظ (بعض) ونحوه، ومن ذلك: كثير من الناس، أمة من الناس، أكثر الناس، مِن الناس..

والثاني: السياق، وهو ما لم يصرح فيه بلفظ البعض، ولكنه يفهم من السياق والحقائق المقررة ذهنا وشرعا، وعلامته صحة تقدير لفظ (فريق من) قبل لفظ (الناس).

كقوله: {وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس}، أي: كما آمن فريق من الناس، فمن المقرر أن فريقا من الناس آمن وفريقا لم يؤمن. و(ال) هنا لتبيين الجنس، فلفظ “الناس” معرفة لفظا ولكنه نكرة من حيث المعنى، فهو بمثابة القول: وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن أناس…

وقوله: {وقودها الناس والحجارة}، أي: وقودها فريق من الناس، فمن المقرر شرعا أن المؤمنين من الناس ليسوا وقودا لجهنم.

وقوله: {وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا}، أي: وما منع فريقا من الناس من الإيمان، فالناس بعضهم آمن وبعضهم لم يؤمن.

وقوله: {ولـكن الناس أنفسهم يظلمون}، أي: ولكن بعض الناس يظلمون أنفسهم، فالبعض هنا غير معين وغير محدد أفراده، إنما هم فريق من الناس، فدخول (ال) على لفظ (ناس) أفاد أن هذه الحقيقة ثابتة في الناس (بغض النظر عن كثرتهم أو قلتهم)، فالنظر إنما هو إلى ثبوت الوصف (الظلم للنفس) في هذا الجنس من الخلق (الناس)، فالعبرة بثبوته حتى لو في واحد منهم.

وقوله: {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون}، فالناس هنا هم المؤمنون، وقوله: {ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا}، فالناس هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أسلموا في عصره ولا سيما المتأخرين منهم الذين دخلوا في دين الله أفواجا.

ومنه بعض النداءات المقصود بها البعضية، كقوله: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ}، فالناس هنا يراد بهم إما المشركون من أهل مكة، أو أمة الدعوة ممن بلغته الدعوة فلم يستجب لها. والقرينة أن الخطاب يتوجه لمن يشك في الإسلام، ومن المقرر أن المؤمنين لم يشكوا فيه. وكذلك خاطبهم بقوله (تعبدون من دون الله)، والمؤمنون يعبدون الله.

وكقوله: {يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له}، فالناس هنا هم الكافرون، بدليل قوله: (تدعون من دون الله).

وقوله: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم}، فالناس المراد بهم في الآية: المؤمنون، والآية مدنية في سورة الحجرات، جاءت لتوجيه المؤمنين إلى مكارم الأخلاق وأقومها.

ويستخدم القرآن الكريم أيضا للدلالة على البعضية: الجمع (أناس)، كقوله: {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ}، وقوله: {إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ}، وقوله: {يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ}. فـ”أناس” بمعنى: فريق من الناس.

**

(5) استخدام لفظ “الناس” للتعيين

كقوله: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم}، ذكر المفسرون في المقصود بـ”الناس” الأول أقوالا، ومنها أنه نعيم بن مسعود الأشجعي، كان أبو سفيان سأله أن يثبِّط رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين خرجوا في طلبه بعد منصرفه عن أحد إلى حمراء الأسد. و”الناس” الثاني، هم أبو سفيان وأصحابه من قريش، الذين كانوا معه بأحد.

فالقرينة الدالة على تعيين الناس في الموضعين هو النقل، والسياق الخارجي، فقصة حمراء الأسد معروفة. والحكمة في ذلك (الذين قال لهم الناس)، فالناس هنا قد يكون فردا واحدا (وهو نعيم)، ولكنه المصدر الوحيد للخبر آنذاك لدى المسلمين، فكأنه بمثابة الناس كلهم. وهو يصور الحالة النفسية للمحارب وهو يتتبع أخبار عدوه، فحين يسمع خبرا مفزعا يسقط في يديه، وهو ما كان يريده أبو سفيان من الحرب النفسية. وكذلك نجد أن المقاتل ينظر إلى خصمه وكأنه الناس كلهم، مهما كان عددهم، ولا سيما إذا كانوا قلة، كما هو حا المسلمين حينئذ، ولا سيما أن المسلمين هم الفئة المؤمنة على وجه الأرض، والعرب من حولهم على خلاف دينهم.

فالآية تصور الحالة النفسية التي تكون في العادة للمحاربين، سواء من حيث مصدر الأخبار، أو من حيث النظر إلى الخصم، والمسلمون أيضا كانوا في حالة نفسية من شأنها أن تنهد، ومع هذا فإن المسلمين لم يتضعضوا أمام هذه الحرب، ولم يضعفوا، بل كما قال تعالى عنهم: {فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}، فهم تجاوزوا الناس، وتوكلوا على رب الناس، فكان حسبهم ووكيلهم، وعندئذ تحققت القوة: {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ}، فقوله (فانقلبوا) يدل على أنهم كانوا في حالة نفسية متضعضة (وهذا شيء طبيعي، فهم بشر)، وحين اعتصموا بالله انقلبوا من الخوف إلى الشجاعة، ومن التردد إلى الإقدام، كما صورت الآية التالية ذلك عنهم: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}، فثمة مخاوف كانت في المؤمنين، والله يقول لهم: لا تخافوا منهم، فأنتم وليكم الله.

وقوله: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}، وقوله: {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا}. فـ “الناس” في الآيتين يقصد به الرسول محمد صلى الله عليه وسلم؛ إذ حسده اليهود على النبوة، وقد دخلت (ال) التعريفية على الناس، واستخدم اللفظ في هذا المقام؛ لبيان أن حسد اليهود لمحمد صلى الله عليه وسلم كأنما هو حسد للناس جميعا، فالله يؤتي فضله من يشاء، ومن حسد أحدا من الناس على نعمة آتاه الله إياها فكأنما حسد الناس جميعا.

وثمة مواطن أخرى، وكل هذه المواطن محل خلاف.

**

(6) استخدام لفظ “الناس” في سياق الحج:

قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}، فـ”الناس” في الآية: دالة على “الاستغراق الشرعي”، أي: جميع المكلفين، ولذلك جاء الاستثناء منه، فهو يقول: فرض الله الحج على الناس، فمن آمن واستجاب فقد أفلح، ومن كفر فإن الله غني عنه. والمقصود بـ”الناس” من جاء بعد إبراهيم عليه السلام؛ لأنه الذي بنى الكعبة، فأمره الله أن يؤذن بالحج، وأمر الناس بحج البيت.

والحج عبادة، والإنسان لا يقبل منه العبادة إلا بشرطين: الإخلاص لله، والإصابة فيها وفق الشرع. ولا يتصور هذان الشرطان إلا من مؤمن بالله. وهذا بخلاف المعاملات بين الناس، فيمكن تصور فعلها (بالتزام الوجه الشرعي) من غير مؤمن بالله. وكما قال فريق من العلماء إن الكافر مخاطب بالعبادات، ولكنها لا تقبل منه إلا بعد إيمانه أولا، فهم مخاطبون بالصلاة والصيام والحج، وغير ذلك من العبادات (الفعلية والتركية)، ويحاسبون عليها، ولكنها لا تقبل منهم إلا بالإيمان.

فالناس كما هم مخاطبون بالإيمان بالله، مخاطبون كذلك بالعبادات من صلاة وصيام وحج. وهذا ما يفيده قوله: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ}.

وهذا بخلاف لفظ “الناس” في قوله: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا}، فالبيت مثابة لـفريق من الناس، وهم المؤمنون، كما جاء التصريح بذلك في الآية نفسه: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}.

وكذلك في قوله: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ}، أي: قياما للمؤمنين الذين يقدمون للحج، أو يقطنون بجوار البيت الحرام. وقد كان سكان مكة وما حولها مؤمنين، يتبعون دين إبراهيم عليه السلام، واستمروا على إيمانهم حتى تسلل الشرك إليهم، فنصبوا الأصنام في بيت الله المحرم، وبقيت فيهم عادات يقومون بها من دين إبراهيم، ومن ذلك الحج، وتعظيم الأشهر الحرم، فظل المشركون يحجون إليه كما كانوا، حتى جاء الرسول صلى الله عليه وسلم فأعاد التوحيد إلى هذه البقعة المباركة. وكما أذن إبراهيم عليه السلام أول مرة داعيا المؤمنين إلى حج بيت الله: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ}، فكذلك أمر الله رسوله أن يؤذن في الناس ألا يحج إلى البيت مشرك: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ}، فأعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس: (ألا لا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان).

ومثله لفظ “الناس” في قوله: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} فالخطاب لإبراهيم عليه السلام يأمره بأن يؤذن لـ”فريق من الناس”، وهم الذين استجابوا لأمر الله، فالناس هم المؤمنون بالله، بدليل الآية نفسها (ويذكروا اسم الله…) فالذين يذكرون اسم الله ويحمدونه ويشكرونه هم المؤمنون به. كما أن قوله (وإذ بوأنا… ) يدل على أن المقصود بالناس هم المؤمنون الذين يأتون البيت وهم لا يشركون بالله شيئا (أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا)، ويطوفون لربهم ويركعون ويسجدون.

**

وقوله: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ}، في الآية خلاف طويل بين أهل العلم.

والذي يتبين لي فيها أن لفظ “الناس” شائع الدلالة، وهو يصدق على أهل الملل الإبراهيمية، وليس على الجنس البشري، وليس على (جميع المكلفين)، لعدة أدلة، ومنها:

الأول: لفظ “الناس” هو الوارد في قوله: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ}. فقوله “أولى الناس بإبراهيم” أي: أولى أهل الملل الإبراهيمية وهم اليهود والنصارى والمسلمون وأيضا العرب المشركون فجاءت الآية السابقة لتنزيه إبراهيم – عليه السلام – عن الانتماء إلى اليهودية والنصرانية أو الشرك، وإثبات الحنيفية له. فأولى الناس إذن من هذه الملل به هم المسلمون. فالناس قصد بهم “الملل الإبراهيمية”، وهم الذين وضع لهم إبراهيم عليه السلام أول بيت للعبادة.

الثاني: السياق القرآني، فهو يحاج اليهود والنصارى، ويرد عليهم في مزاعم عدة، ومنها: زعمهم أن بيت المقدس وضع أولا، فقال القرآن الكريم: بل هذا البيت هو الذي وضع أولا. والذي وضعه هو إبراهيم عليه السلام، فأهل الملل كانوا يدعون الانتماء إلى إبراهيم عليه السلام، فأخبرهم الله أن إبراهيم كان حنيفا مسلما، وأن أول بيت وضعه لهم هو البيت الحرام الذي ببكة، وليس ببيت المقدس.

الثالث: ما قرره القرآن الكريم من أن البيت بناه إبراهيم عليه السلام، وهو الذي رفع قواعده مع ولده إسماعيل: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ}، وقال في هذه الآية: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ}، فهو يبين أن في البيت مقام إبراهيم عليه السلام.

الرابع: وقد يقال لم لا نقول إن لفظ الناس هنا دال على الاستغراق التكليفي، كما في قوله { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ}. والجواب أن القرينة هناك كانت الخطاب التوجيهي للمكلفين بأن الله أوجب عليهم حج بيته. أما في هذه الآية {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ}، فالمقام إخباري وليس تكليفيا، وهو جاء في سياق محاججة أهل الملل الإبراهيم (اليهود والنصارى) في زعمهم أن أول بيت وضعه إبراهيم هو ببيت المقدس، فكان الرد: ليس كذلك، بل أول بيت وضع هو الذي ببكة.

**

والله أعلم.

ذو الحجة 1438 هـ


التعليقات

تعليق

عن الكاتب

عدد المقالات : 168

اكتب تعليق

جميع الحقوق محفوظة  لموقع  رحى الحرف  - تصميم : الطبقات الصلبة التقنية

الصعود لأعلى