انت هنا : الرئيسية » بقلمي » اللغة الواصفة

اللغة الواصفة

اللغة الواصفة

#رحى_الحرف

د. عبد المجيد محمد الغيلي

نعاني في خطابنا مع الآخرين، وفي توجيهاتنا، وفي انتقاداتنا من استخدام الألفاظ المشحونة غير المقيسة، وغير الواصفة؛ ولذلك آثار سيئة. والسؤال: كيف نتخاطب مع الآخرين، سواء كانوا كبارا أم صغارا، أصدقاء أم أعداء، في البيت وفي المدرسة وفي الإدارة وفي الإعلام؟

نحن نتواصل مع الآخرين من خلال اللغة، فهي الأداة الأساس في التواصل. ولكن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي أداة للتأثير والتعبير عن مخزون الأفكار، وعن إدراك المتكلم لما حوله ومن حوله. ومن ثم فقد أولى الإسلام عناية كبرى بضرورة ضبط اللغة، وتخير ألفاظها، والحذر في استخدامها، وهناك أحكام شرعية كثيرة تتعلق بما يقوله الرجل وكيف يقوله.

**

بين الله لنا أهمية هذا الأمر، فقال: { وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ}.

وقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) }.

تبين الآيات الدقة في استخدام الألفاظ، ومن الخطأ القول: لا مشاحة في الاصطلاحات، فاللفظ هو الوجه الظاهر، وهو دليل التواصل، وهو الدليل الذي نستطيع من خلاله الوصول إلى مرامي الآخرين.

فهذه الآيات تحثنا على ضرورة استخدام اللفظ الدقيق المناسب، فمن شأن ذلك أن يسهم في إيجاد تواصل فعال بناء إيجابي، وأن يكون تأثيره إيجابيا في الآخرين. فالخلاصة أن الآية ترشدنا إلى برنامج مهم وهو: (استخدم لغة واصفة).

ولذلك تجد الاسم الموصول من أكثر الألفاظ المستخدمة في القرآن الكريم، يزيد على 1500 مرة. لماذا؟ لأنه لفظ حامل للوصف. نحو: الذين ظلموا، الذين أجرموا، الذين آمنوا، الذين أحسنوا… فصلته تكون مشتملة على فعل وصفي، فمثلا: من الذي يدخل الجنة؟: الذين آمنوا وعملوا الصالحات… فهذه أوصاف واضحة يمكن لأي شخص أن يفعلها. وكذلك المشتقات الوصفية فهي أكثر الألفاظ استخداما في القرآن الكريم.

قريش (قومك). كم مرة ذكرت في القرآن؟ لا تجاوز أصابع اليد. وفي أي سياق (مرة واحدة لفظ قريش) فالغالب يذكرهم بأوصافهم لا بأسماء: الذين أخرجوك، الذين كذبوك، الذين نصروك…

وكل القرآن نموذج لاستخدام اللغة الواصفة الدقيقة المعبرة.

القرآن الكريم، يحدد المشاكل بدقة، ويصفها ويسميها، وحين يعاتب أو يلوم أو يوبخ… فإنه يذكر الفعل بوضوح. كقوله: (عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ).

هل سب القرآن الكريم آلهة من الآلهة التي عبدت من دون الله؟ لم يفعل ذلك. بل يذكرها بأوصاف ويبين عوارها، إنه النقد البناء، والبيان الشافي: (فأخرج لهم عجلا جسدا…أفلا يرون..) (يا أبت لم تعبد ما …)، بل نهى عن السب (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله…).

**

أفلا أدلكم على خير من لعن الشيطان؟!

بدلا من لعن الشيطان انشغل ببيان خطره وضرره، فهو أجدى وأكثر نفعا.

إذا لعنت الشيطان ما الذي يستفيده السامع؟! بخلاف ما لو بينت ضرره وخطره بالأدلة الواضحة المقنعة…

الشيطان يفرح حين يلعنه الناس، يكفيه أنه يجري على ألسنة الناس ويشغلهم، ويأخذ حيزا من وقتهم وتفكيرهم…

ولسان حاله: لَئِنْ ساءَني أنْ نِلْتِني بِمَساءَةٍ  ***  لقدْ سرَّني أَنِّي خَطَرْتُ ببالِكِ

**

للأسف تجد كثيرا من خطاباتنا لا تمت إلى اللغة القرآنية، اللغة الواصفة بصلة…

(ما بال أقوام)… منهج رسول الله.

**


التعليقات

تعليق

عن الكاتب

عدد المقالات : 168

اكتب تعليق

جميع الحقوق محفوظة  لموقع  رحى الحرف  - تصميم : الطبقات الصلبة التقنية

الصعود لأعلى