انت هنا : الرئيسية » بقلمي » الرد على إشكال حول استخدام لفظ (الناس) في (الحج)

الرد على إشكال حول استخدام لفظ (الناس) في (الحج)

الرد على إشكال حول استخدام لفظ (الناس) في (الحج)

سؤال: لماذا يقترن الحديث عن الحج في القرآن الكريم والسنة بـ(الناس)، ولا يتجه الخطاب للمؤمنين.

وهذا جوابي:

أولا:

الناس لفظ عام يشمل المؤمنين وغيرهم، والذي يحدد المقصود منه السياق.

مثلا:

{رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ }: الناس هنا عام.

{وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ}، الناس هنا خاص تاريخي، يدل على الناس في زمنه.

{إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا}: الناس هنا هم أهل الملل الإبراهيمية.

{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ }، الناس الأولى: على خلاف في دلالتها، قيل المراد بهم: نعيم بن مسعود. والناس الثانية هم: أبو سفيان وجماعته.

{أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}، الناس هنا: هو النبي صلى الله عليه وسلم الذي آتاه الله النبوة فحسده اليهود.

{يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ} الناس هنا: هم الملك وحاشيته.

{ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا }، الناس هنا هم الصحابة، الذين أسلموا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

… إلخ

**

ثانياً:

فقوله: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} يدل على أن الناس هنا هم المؤمنون، بدليل أنه قابله بـ(من كفر)، فلا يحج إلا مؤمن.

وقوله: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} فالخطاب لإبراهيم يأمره بأن يؤذن للناس، والناس هم المؤمنون بالله، بدليل الآية نفسها (ويذكروا اسم الله…) فالذين يذكرون اسم الله ويحمدونه ويشكرونه هم المؤمنون به.

كما أن قوله (وإذ بوأنا… ) يدل على أن المقصود بالناس هم المؤمنون الذين يأتون البيت وهم لا يشركون بالله شيئا (أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا)، ويطوفون لربهم ويركعون ويسجدون.

**

ثالثا

الحج عبادة، والإنسان لا يقبل منه العبادة إلا بشرطين: الإخلاص لله، والإصابة فيها وفق الشرع. ولا يتصور هذان الشرطان إلا من مؤمن بالله.

وهذا بخلاف المعاملات بين الناس، فيمكن تصور فعلها (بالتزام الوجه الشرعي) من غير مؤمن بالله.

وكما قال فريق من العلماء إن الكافر مخاطب بالعبادات، ولكنها لا تقبل منه إلا بعد إيمانه أولا، فهم مخاطبون بالصلاة والصيام والحج، وغير ذلك من العبادات (الفعلية والتركية)، ويحاسبون عليها، ولكنها لا تقبل منهم إلا بالإيمان.

**

رابعا:

وقوله: { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ}، فهو أول بيت وضع للناس للعبادة، وهذا يدل على أن الأصل في الناس هو التوحيد، كما في الحديث، (خلقت عبادي حنفاء كلهم، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم).

فالناس الأولون من البشرية هم مؤمنون، وقد وضع الله لهم بيته للعبادة. وأمرهم بحجه.

وفي سورة البقرة ما يبين أن المراد بالناس المخاطبين بالحج هم المؤمنون، قال تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}

فالله عهد إلى إبراهيم أن يطهر بيته لمن آمن به (الركع السجود)، ومن ثم فلا يتصور أن يأمره بالأذان للحج لجميع الناس مؤمنهم وكافرهم، ثم يأمرهم بتطهير بيته للمؤمنين فقط.

**

خامسا:

وأما الخطاب النبوي، فهو يستخدم مناداة الناس كثيرا، ليس في الحج، بل في الحج وغيره، ومن ذلك:

(يا أيها الناس , اربعوا على أنفسكم , فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا)

(اشربوا أيها الناس إنكم مصبحو عدوكم, والفطر أقوى لكم , فأفطروا)

(يا أيها الناس أتموا الركوع والسجود) إني إمامكم , فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود، ولا بالقيام , ولا بالقعود , ولا بالانصراف)

(يا أيها الناس , اذكروا الله، اذكروا الله، جاءت الراجفة  تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه جاء الموت بما فيه)

… وهناك مئات الأحاديث يتجه الخطاب فيها إلى الناس. بل هو الشائع، ويقل توجيه الخطاب للمؤمنين (يا أيها المؤمنون، أو: يا أيها الذين آمنوا).

والله أعلم

د. عبد المجيد محمد الغيلي

#رحى_الحرف

1 ذو الحجة 1438 هـ


التعليقات

تعليق

عن الكاتب

عدد المقالات : 168

اكتب تعليق

جميع الحقوق محفوظة  لموقع  رحى الحرف  - تصميم : الطبقات الصلبة التقنية

الصعود لأعلى