انت هنا : الرئيسية » بقلمي » “أنا متمرد على ثقافة القطيع”

“أنا متمرد على ثقافة القطيع”

“أنا متمرد على ثقافة القطيع”

س: أنا متمرد على “ثقافة القطيع”.

ص: ويحك يا سين!! لقد وقعتَ في العُشارية!!

س: وما العُشارية يا صاد؟

ص: ارتكبت أكثر من عشرة أخطاء في هذه العبارة.

(1): (الاستعلاء والازدراء)

التكبر والغرور والاستعلاء على غيرك من الناس؛ فأنت ترى أنك فوقهم وأعلى منهم، فأنت بشر وهم ليسوا بشرا، بل قطيعا.

وفيه احتقار لهم أيضا؛ فلك أن تخالف غيرك، ولكن ليس لك أن تحتقر ثقافته… فالناس يحبون ما تعلموا، ويتمسكون بثقافتهم، ويقبلون من يناقشهم فيها، ويبين لهم ما فيها من أخطاء، ولكنهم لا يقبلون من يحتقرها.

(2): (السخرية والاستهزاء)

السخرية من الناس، فأنت تسمي الناس حيوانات، وقد خلقهم الله بشرا ولم يخلقهم غنما أو إبلا أو بقرا.

(3): (التقديس)

تقديس ثقافتك، فأنت ترى أن ثقافتك مقدسة، تنتمي إلى جنس مقدس، في مقابل ثقافة غيرك التي تنتمي إلى جنس غير مقدس. وهذا هو “الأدلجة”، إذ تعتبر نفسك ذا ثقافة مقدسة.

 (4): (التعصب والإقصاء)

ألا ترى أنك “متمرد” على ثقافة، ولكنك “متعصب” لثقافة أخرى… فما الفرق بينك وبين من تتهمهم؟!

والتعصب لثقافتك يعني أنك حددت سلفا أن ثقافة غيرك، إنما هي ثقافة القطيع، وأنك تنبذها، وترميها خلفك ظهريا… فغيرك سيعامل ثقافتك كما تعامل ثقافته. وهذا هو “الإقصاء”.

 (5): (إضاعة المرآة)

فالقاعدة أن الإنسان يحب لنفسه ما يحب لغيره … فهل ترضى أن يصف أحد ثقافتك أنها (ثقافة قطيع)!! لن ترضى بذلك، إذن فلا تُضِع المرآة؛ فهي تساعدك على أن تشاهد نفسك قبل أن تقابل الناس.

 (6): (الخداع الحِجاجي)

فأنت تستخدم هذه العبارة لتمنح نفسك مبررا لمخالفة الثقافة الأخرى، وهذا ليس مبررا صحيحا، فعليك أن تبين لماذا تريد التمرد على الثقافة، لا أن تقوم بالمغالطة المنطقية، والتستر وراء العبارات.

 (7): (سوء الفهم)

القطيع يتبع الراعي، فهي مخلوقات منتجة، تعلمت حسن الإدارة… هب أنك في مؤسسة، والموظفون لا يتبعون أمر مديرها… كيف تصبح المؤسسة؟ هل تنتج شيئا؟ فالاتباع ليس دائما عيبا.

ثم أنت تحتقر الحيوانات أيضا، فقد فرّغت تعبيرك الاحتقاري الساخر… فلم تحتقر خلقا خلقه الله؟!

ثم هل تعرف ثقافة القطيع حقا؟!!

(8): (التعميم)

الثقافة السائدة ليست خطأ محضا ولا صوابا محضا،،، فالتمرد عليها يعني نبذ صوابها وخطئها معا… أهذه هي الثقافة المنشودة…

ومناقشة الأخطاء لا تكون بالازدراء.

 (9): (تسطيح الهدف)

 تسطيحك لهدفك في الحياة… فكأن القضية الأساس لديك هي التمرد على الثقافة!! أهدفك أن تتمرد؟ أخلقت لتعيش في الأرض متمردا؟ لو كل الناس تمردوا لما استقامت الحياة…

فخير من أن تتعلم “التمرد”، أن تتعلم التودد… فالحقيقة المرة تحتاج لسانا متوددا وقلبا متجردا..

(10): (الشعور بالنقص)

التجديد والتطوير والتفكير البناء والإبداع، لا يعني التمرد، بل هو تراكم واستمرار، فأنت حلقة في سلسلة، ومهما وصلت إليه من علم وفكر، فإنما هو ثمرة لما قدمه غيرك.

نحن نصل المعرفة البشرية، نتلقاها ونسهم فيها ثم نورثها لغيرنا وبصماتنا فيها واضحة.

أما الذين يدعون القطيعة، فهم واهمون… هم فقط يرثون ثقافة أخرى ويريدون زرع أعضاء غريبة في  مجتمعهم بحجة التمرد … لِمَ لَمْ تتمرد على الثقافات الأخرى أيضا؟!

(11): (سوء التقدير)

الإبداع لا يأتي من التمرد… التمرد غالبا ينتج الفوضى والخراب…

الابداع يأتي من حسن الإفادة من تجارب السابقين وخبراتهم وحسن استثمار المعارف، واتخاذها سلما للصعود…

المتمرد على ثقافة المجتمع كمن يقفز من الهاوية إلى الجو…. أما المبدع فهو من يصنع طائرة ليطير بها في الجو.

فكن مبدعا لا متمردا…

**

س: فماذا أقول إذن يا صاح؟

ص: اعرض فكرتك فحسب، فأنت في غنى عن هذه الألفاظ النفسية.

وخذ وصيتي: تجنب الاستعلاء والازدراء، وابتعد عن التعصب والإقصاء، وميز الصواب من الأخطاء، وقل بعد ذلك ما تشاء.

**

#رحى_الحرف

#تحليل_الخطاب

د. عبد المجيد محمد الغيلي

23/ 4/ 1437هـ


التعليقات

تعليق

عن الكاتب

عدد المقالات : 166

اكتب تعليق

جميع الحقوق محفوظة  لموقع  رحى الحرف  - تصميم : الطبقات الصلبة التقنية

الصعود لأعلى